عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

66

اللباب في علوم الكتاب

بقوله : « وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها » أي : لكل صاحب ملّة قبلة يتوجّه إليها ، فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم اللّه أنها حقّ ، وقرن الثالثة بقطع اللّه - تعالى - حجّة من خاض من اليهود في أمر القبلة ، فكانت هذه عللا ثلاثا قرن بكل واحدة منها أمرا بالتزام القبلة . نظيره أن يقال : الزم هذه القبلة كأنها القبلة التي كنت تهواها ، ثم يقال : الزم هذه القبلة ، فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى ، وهو قوله : « وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ » ثم يقال : الزم هذه القبلة ، فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك ، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 16 ] وكذلك ما كرر في قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 8 ] . وخامسها : أن هذه الواقعة أوّل الوقائع التي ظهر النّسخ فيها في شرعنا ، فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير ، وإزالة الشبهة ، وإيضاح البينات . أما قوله سبحانه وتعالى : « وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » يعني : ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق ، وهم يعرفونه ، ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [ البقرة : 142 ] وبأنه قد اشتاق إلى مولده ، ودين آبائه ، فإن اللّه عالم بهذا فأنزل ما أبطله . [ وقد تقدم الكلام على نفي الغفلة وعدم ذكر العلم ] « 1 » . قوله تعالى : « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ » هذه لام « كي » بعدها « أن » المصدرية الناصبة للمضارع ، و « لا » نافية واقعة بين الناصب ومنصوبه ، كما تقع بين الجازم ومجزومه نحو : إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ [ الأنفال : 73 ] و « أن » هنا واجبة الإظهار ، إذ لو أضمرت لثقل اللّفظ بتوالي لامين ، ولام الجر متعلقة بقوله سبحانه وتعالى : « فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ » . وقال أبو البقاء : متعلّقة بمحذوف تقديره : فعلنا ذلك لئلا ، ولا حاجة إلى ذلك ، و « للناس » خبر ل « يكون » مقدّم على اسمها ، وهو « حجّة » ، و « عليكم » في محل نصب على الحال ؛ لأنه في الأصل صفة النكرة ، فلما تقدم عليها انتصب حالا ، ولا يتعلق ب « حجة » لئلّا يلزم تقديم معمول المصدر عليه ، وهو ممتنع ؛ لأنه في تأويل صلة وموصول ، وقد قال بعضهم : يتعلّق ب « حجة » وهو ضعيف ، ويجوز أن يكون « عليكم » خبرا ل « يكون » ، ويتعلق « للناس » ب « يكون » على رأي من يرى أن « كان » الناقصة تعمل في الظرف وشبهه ، وذكر الفعل في قوله « يكون » ؛ لأن تأنيث الحجّة غير حقيقي ، وحسن ذلك الفصل أيضا . [ وقال أبو روق : المراد ب « النّاس » : أهل الكتاب . ونقل عن قتادة والربيع : أنهم وجدوا في كتابهم أنه - عليه الصلاة والسلام - تحوّل إلى القبلة ، فلما حوّلت بطلت حجّتهم .

--> ( 1 ) سقط في ب .